محمد جمال الدين القاسمي

365

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

في أمري ، كما ينبئ عنه قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . والمعنى : إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة ، حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها ، وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك ، دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا . بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة اللّه عز وجل ، والعلم بمقتضاه فقط ، كما ينبئ عنه قوله تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي : ما أتبع فيما أقول لكم إلا ما يوحى إليّ من جهته تعالى ، شرفني بذلك وأنعم به عليّ ، إذ يكشف لي عن الملائكة فيخبرونني . ثم كرر الأمر تثنية للتبكيت بقوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثل للضال والمهتدي على الإطلاق . والاستفهام إنكاري ، والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق ، ومن يعلمها . وفيه الإشعار بكمال ظهورها ، ومن التنفير عن الضلال ، والترغيب في الاهتداء - ما لا يخفى . أفاده أبو السعود . وقوله تعالى : أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ تقريع وتوبيخ داخل تحت الأمر . أي : أفلا تتفكرون فتهتدوا ، ولا تكونوا ضالين أشباه العميان . تنبيهات : الأول - جعل بعض المفسرين قوله تعالى : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ تبرؤا من دعوى الألوهية ، لأن قسمة الأرزاق بين العباد ، ومعرفة الغيب ، مخصوصان به تعالى . قال : ولذا كرر في الملكية لفظ وَلا أَقُولُ . والمعنى : لا أدعي الألوهية ولا الملكية . وأورد على هذا أن المراد : لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه ، وليس المراد التبرؤ عن دعوى الإلهية ، وإلا لقيل : لا أقول لكم إني إله . كما قيل : ولا أقول لكم إني ملك . وأيضا في الكناية عن الألوهية ب عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ما لا يخفى من البشاعة ، بل هو جواب عن اقتراحهم عليه صلى اللّه عليه وسلم أن يوسع عليهم خيرات الدنيا - كذا في ( العناية ) - . قال أبو السعود : وجعل هذا تبرؤا عن دعوى الإلهية ، مما لا وجه له قطعا . الثاني - قال الجبائي : الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء ، لأن المعنى : لا أدعي منزلة فوق منزلتي . ولولا أن الملك أفضل ، وإلا لم يصح ذلك .